التعزيز الإيجابي لدى الطفل و التلميذ

في البداية، كانت التربية تقوم على العقاب الجسدي و اللفظي، كان فقيه المسيد يستعمل العصا الطويلة لنكز المتعلم الذي يخطئ في القراءة، و كنا كآباء نسرف أحيانا كثيرة في توبيخ أبنائنا، ظنا منا أن الأسلوب القاسي يساعدهم ليكونوا أفضل.

لكن نتائج العلوم التربية أظهرت بشكل واضح أن التربية القائمة على العقاب محدودة النتائج، و أنها في المقابل يمكن أن تفسد مستقبل الابن أو المتعلم، حين نظن أنها تصلحه؟؟

ما العمل إذن؟

مئات المدرسين و الآباء يتجهون اليوم لما نسميه بالتعزيز الإيجابي و هي تقنية تربوية تظهر نتائج مؤكدة وملموسة في أغلب الحالات، و فكرتها تقوم ببساطة على استعمال أسلوب المكافأة بدل أسلوب العقاب. لماذا؟

لأنها أسهل و أقرب لجوهر العلاقات الإنسانية، فالمربي يرسخ اكثر علاقته بالمتعلم و يتجنب التوتر و القلق المرافق لأساليب العقاب حتى و لو كانت رمزية . و المتعلم بدوره يكون أسعد و أكثر قابلية للتعلم و تلقي المزيد من الأهداف و الدروس.

أشياء يجب الانتباه إليها خلال ممارسة التعزيز الإيجابي

لكن، و قبل عرض أساليب التعزيز  الإيجابي، لا بد من الانتباه لأمر هام يحدث مرارا، و يمكن أن يؤدي إلى فشل عملية التعزيز الإيجابي.

هو السقوط في المزج بين تقنيات العقاب و التعزيز الإيجابي في آن.

كثير من المربين، الذين يحاولون التخلص من تقنيات العقاب التقليدية، (و نحن حين نتحدث العقاب لا نقصد الأساليب المتوحشة بل نقصد العقاب الرمزي، كالحرمان من مشاهدة التلفاز مثلا، أو الغاء زيارة حديقة الحيوان – و يحالون تبني أساليب التعزيز الإيجابي، لا يفعلون ذلك بشكل يساعد على تقبل الطفل للبيئة التربوية الجديدة، إليك مثال:

في البيت، يقوم عمر بالرسم على طاولة الغذاء، و هو أسلوب غير مناسب للتعبير عن ذاته، إذ كان عليه أن يرسم في أوراق الرسم، لا على الطاولة الخشبية، فيقوم المربي بحرمانه من مشاهدة التلفاز، في المقابل قامت سكينة بالرسم في دفتر الرسم و رتبت كل أقلامها و أوراقها بعد الانتهاء، فيمنحها المربي قطعة شيكولاتة كهدية.

حتى و إن بدا عقاب عمر في هذا المثال منطقيا، فإنه لن يكون منتجا و مفيدا، خصوصا إن تكرر في المستقبل ضمن نفس السيناريو، أي أن يعاقب عمر و تكافأ سكينة، لأن عمر سيشعر بوجود تمييز في التعامل معه، و يمكن أن يطور مشاعر سلبية تجاه اخته سكينة و تجاه المربي أيضا.

الأسلم في هذه الحالة أن نشرح لعمر خطئه، و نطلب منه أن يصلحه، فيقوم بالتنظيف الطاولة. و أن نمنح الشيكولاتة لسكينه و نهنئها على اهتمامها بترتيب أدوات الرسم، و لكن أن نمنح شيكولاتة مماثلة لعمر أيضا، مبررين ذلك باهتمامه باخته و مساعدته لها في واجباتها الدراسية.

ما المقصود بهذا المثال:

يجب تجنب المزج بين أساليب العقاب و التعزيز الإيجابي، لأنها توسع الهوة بين المتعلمين، و قد تعاش من قبلهم على أنها تمييز و تفضيل لطفل على آخر. و يفضل في المقابل الاعتماد على أساليب التصحيح بدل العقاب.

بينما تكون أساليب التعزيز الإيجابي فعالة جدا في التربية، لا بد أن يستخدمها المربي داخل فلسفة كلية تمنح كل المتعلمين إحساسا بالحب و الاحترام، بغض النظر عن سلوكاتهم، في اللحظة التي يحس فيها متعلم بغياب العدالة، أو بأنه مستهدف، أو أن نفس العقاب يطاله أكثر من غيره، يفقد المربي هامشا كبيرا للتواصل معه و إقناعه مستقبلا بأهدافه.

أنواع التعزيز الإيجابي

هناك تقنيات متعددة لمكافأة الأطفال، و المربي يعرف أكثر من غيره ما يحبه كل طفل، لكن ما قد لا ينتبه إليه هو أنه كان بالفعل يمارس التعزيز الإيجابي حتى قبل أن تتحدث عنه الكتب و المراجع التربوية.

التعزيز الإيجابي المادي:

هذه الطريقة تقوم على تقديم مكافأة مادية للتلميذ أو الطفل الذي قام بسلوك يستحق الإشادة، يمكن وضع صندوق يحتوي على أقلام أو قصص مصورة أو لاصقات لصور أبطال خارقين، و يفترض طبعا أن نوع المكفأة يجب أن يتماشى مع عمر التلميذ و متطلباته، يجب الانتباه أيضا إلى تنوع الحساسيات الثقافية لأسر التلاميذ، فمثلا القصص المصورة المترجمة، التي لا تتماشى مع ثقافاتنا قد لا تشكل هدية مثالية بالنسبة لآباء التلميذ.

التعزيز الاجتماعي

هذا ما كنت أقصده بقولي، بأن المربين و المدرسين يمارسون التعزيز الإيجابي منذ القدم، حتى و إن لم يكونوا واعين بذلك، فالابتسامة، أو المصافحة، أو الحديث بشكل إيجابي عن تلميذ أمام الآخرين، أو السؤال عن صحته أو صحة والديه، كلها تعزيزات إيجابية، لا تقل أهمية عن باقي الأساليب الأخرى، بل لربما كانت تتجاوزها في التأثير.

التعزيز الإيجابي عن طريق منح الامتيازات

يمكنك اختيار تلميذ كممثل للفصل أو كقائد لمجموعة تعنى بجمع الطوابع البريدية لمدة شهر مثلا، أو يمكن منحه كرسي المعلم بشكل مؤقت لقراءة نص.

في البيت يمكن منح الطفل الذي ينهي واجباته بشكل منظم، مهلة إضافية للعب بالجهاز اللوحي أو الحاسوب. أو منحه فرصة اختيار مكان العطلة القادم، أو الفيلم الذي ستشاهده الأسرة أمام التلفاز.

Similar Posts